يمثل اللقاء مع الأستاذ آصف دعبول بحد ذاته، مراجعة لتاريخ المقاومة السورية للإستبداد والفساد الراكن على رؤوس البلاد والعباد منذ خمسين عاما. سواء كان ذلك في استرجاع سنوات السجن أو سنوات الملاحقة والمحاصرة والنضال السري، أو الإنتقال التدريجي إلى العلنية، تأطير المعارضة التاريخية لنفسها في “هيئة التنسيق الوطنية” في 2011، ثم المسؤولية القيادية في المؤتمر الوطني الديمقراطي السوري منذ خمس سنوات. والمشاركة في التحضير للمؤتمر الوطني السوري منذ انطلاقة المبادرة في جنيف قبل عام.

  • لن نطالبك بمذكرات مناضل، فقط بضع كلمات عن نشأتك.  ونتوجه لأبي علي بالسؤال عن تجربة العمل السري والاعتقال في القرن الماضي، ما هي دروسها، وكيف خرجت من هذه التجربة المؤلمة بمعنويات أكبر ووعي سياسي أنضج، كما قلت في سهرة قبل سبع سنوات؟

ولدت في قرية مفقر الشرقي التي تقع شرق سلميه ١٨ كم في عائله تضم ١٢ أخ وأخت يعمل الجميع بالزراعة أما والدي فهو ميكانيكي محركات الآبار إضافة إلى عمله بالأرض، الحالة المادية بشكل عام متوسطة، بعد الابتدائية في القرية درست حتى الثانوية في الناحية التي تبعد ٣كم عن قريتنا لمدة ٦ سنوات يوميا ذهاب وإياب.

حصلت على الثانوية -علمي ٧٣و٧٤ مرتين،  والتحقت بالكلية الحربية لعدم إمكانية الدراسة بالجامعة لطالبين من العائلة. في الجيش وبسبب العمل السياسي المعارض اعتقلت نهاية عام ١٩٨١ ولأكثر من ١٠ سنوات لأخرج إلى الحياة المدنية عامل غير مؤهل إلا لتركيب حجر الأرصفة وبلاط الشوارع في دمشق ثم اشتغلت في شركه إنشاءات عامه بعقد مهني بدون أية خبره وبجهد خاص شغلت رئيس الشعبة القانونية لمدة ١٠ سنوات وبعدها رئيس دائرة إدارية وقانونية، وانتقلت لاحقا إلى وزارة الكهرباء حتى التقاعد عام ٢٠١٥.

شكل انقلاب حافظ الأسد عام ١٩٧٠ بداية لتوجه جديد في حياتي، حيث شاركت مع الكثيرين في المظاهرات المحتجة على الإنقلاب وتركت الحزب لأكثر من عام وعدت إليه قبل الالتحاق بالكلية الحربية بفترة. للعمل السري المعارض، خاصة في الجيش،  له شروط أصعب بكثير من الفئات الاجتماعية الأخرى، وبحكم كوني ضابط في سلاح الصواريخ  دفاع جوي، كانت المخابرات الجوية تنشر المخبرين والرعب في هذا السلاح. ورغم أني كنت نشيطا في حزب الحاكم، إذ حصلت على جوائز في المناظرات والنشاطات الحزبية والثقافية،  إلا أن المخبرين كانوا يقومون بواجبهم، وهذا طبيعي في ظل النظام الأمني الاستبدادي، لأن حافظ الأسد لم يخرب فقط الحياة الاجتماعية في سوريا وإنما سلط الأمن على الجيش لإرهابه وتخويف من يفكر بمعارضته.

العمل السري كان مليء بالخطر ولكن أيضا كنا ممتلئين بالحماس على أمل استنهاض السوريين في ثورة شعبية سلمية تنهي هذا النظام وللأبد،  وتحقق أهداف الشعب التي تبناها التجمع الوطني الديمقراطي وحزبنا (حركة ٢٣ شباط) كان أحد المؤسسين له. لكن الأمر انتهى باستدعائي إلى الآمرية ولمدة أسبوع كان دوامي هناك عبارة عن مساومه للعمل ضد الحزب والرفاق وبشكل خاص العسكريين،  ولما رفضت اعتقلت في زنزانة منفرده حوالي ٩ سنوات. هناك وجدت متسعا من الوقت للتفكير والتأمل، ولتصليب القناعة بما آمنت به من ضرورة التغيير الجذري لهذا النظام القمعي واللاوطني

لقد كان البعض ينهارون أمام قسوة المعاملة وعدد من المعتقلين فقد توازنه العقلي، وآخرون بادروا بمصالحة النظام، لكن كان السير إلى الأمام هو الهدف الوحيد الذي أبصرته أمامي رغم قسوة الوضع.

وأحب أن أذكر مثالا على حقد النظام على التيار الوطني الديمقراطي، أنه تم تسريحي بعد شهرين من اعتقالي، مع العلم أن الضباط المتهمين بالإخوان والتيار الديني استمروا في الخدمة لمده ٧ سنوات حتى حصلوا على التقاعد وعلى الرواتب التي كانت تشكل قيمة مادية جيده يومها. عندما أخلي سبيلنا نهاية عام ١٩٩١قال لي رئيس اللجنة الأمنية المكلفة بمقابلتنا قبل الخروج: إن حافظ الأسد شخصية وطنية بدون شك وأثبتت الأيام ذلك ونظر إلي فلم أجبه بحرف، فقال له علي مملوك يومها /إي كتير هو مقتنع بها لحكي/

  • كنت من المؤسسين لهيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الوطني الديمقراطي، ثم استقلت من قيادتها، وقلما تحدثت عن هذه الفترة وأسباب الاستقالة.

 لقد سبق الحراك الشعبي جميع الأحزاب والشخصيات الوطنية والمفروض أن يكون العكس. إلا أن الحالة السياسية في البلد نتيجة القمع والهزال الذي أصاب الأغلبية منها جعلها تحاول اللحاق بالحراك الشعبي وكانت ولادة هيئة التنسيق الوطنية أولى الولادات التي جمعت الأحزاب اليسارية والقومية والكردية وبعض الشخصيات العامه إن صحت التسمية.

كنا نرى فيها تمثيل لكل التيار الوطني الديمقراطي الذي حدد خياره بالأساس بعيدا عن العنف والتسلح والطائفية والتدخل الخارجي واستمرت الهيئة تعبر عن هذا الخيار بصدق، وقد دفعنا ثمنا غاليا بخطف المناضلين عبد العزيز الخير وماهر طحان وإياس عياش ورجاء الناصر. الأمر الذي أثر كثيرا علينا جميعا. لكن المشكلة الأساسية كانت في ممارسات بعض القيادات، التي تتعارض مع هذا التوجه الوطني النقي، والتي ذهبت للالتقاء مع إخوان الإئتلاف بعد رسالة المسؤول الأمريكي عام ٢٠١٤ والتي حث الهيئة والائتلاف على العمل المشترك على الرغم من تخوين الائتلاف سابقا لنا في الهيئة واعتبارنا مجرد عملاء للنظام. إضافة إلى السلوكيات لبعض أعضاء القيادة في الهيئة التي لا تختلف عن سلوكيات النظام بشيء إلا أنها أسوأ لأنها مشوهة لصورة المعارضه. وكانت ثالثة الأثافي مؤتمر القاهرة الذي عقد عام ٢٠١٥ والذي كنا نأمل منه أن يكون رافعه للعمل الوطني العريض إلا أن هناك من عطل هذه الآلية على الرغم من أن قرارات المؤتمر كانت تمثل الآلية المطلوبة لعملية الانتقال السياسي. على أثر ذلك ولجميع الأسباب المذكورة وخاصة بدأت العناصر المتمسكة بخط الهيئة بالإنسحاب إضافة إلى الخلاف الذي حصل داخل حزب البعث الديمقراطي وكوني كنت ممثله في قيادة الهيئة غادرت ورفاقي الهيئة بعد المؤتمر مباشرة.

  • كنت من أوائل المطالبين بمؤتمر وطني سوري، ومنذ ثماني سنوات، نسمع آصف دعبول وحبيب حداد والطيب تيزيني والفقيد حسين العودات وغيرهم يطالبون بهذا المؤتمر، لماذا وما هي الأسباب التي تجعلك تربط مستقبل المعارضة الوطنية، بل والحل السياسي بهذا المؤتمر؟

في الكلمة الافتتاحية لأعمال المجلس المركزي لهيئة التنسيق الوطنية قال الفقيد الكبير حسين العودات ما معناه: نحن وطنيون وأنصارنا جميع فئات الشعب السوري بالرغم من الأساليب التي يتبعها المجلس الوطني من محاولة حرف السوريين عن أهدافهم بالدعوة للتدخل الخارجي واستخدام الأموال لتعبئة الشارع لغايات غير وطنيه وإرضاء لأجندات خارجيه، علينا العمل على أساس الحل السياسي الذي يمثل مطالب الناس كافة.

هذا ملخص مركز ومكثف لأجندة النضال الوطني السلمي والذي يجب أن يشارك فيه معظم السوريين وخاصة بعد فشل الهيكل السياسية والحزبية في إنجاز شيئ على هذا الطريق. والتقينا في هذا مع المفكر الراحل الطيب تيزيني عند تأسيس ما سميناه مجلس الحكماء الذي يعمل بدون صفة حزبية أو سياسية: فقط سوريون يسعون إلى مؤتمر وطني سوري عام وكان ذلك عام ٢٠١٣ على ما أذكر. ولكن الأمن لاحق هذا الوليد. إذا هو خيار لابد منه لأننا رأينا مئات الأسماء لأحزاب وتشكيلات وجميعها محدودة العدد والتأثير، وكل ذلك شكل أضعافا للحركة الوطنية.  لذلك كانت فكرة المؤتمر الوطني التي أكدنا عليها في الدليل النظري للمؤتمر الوطني الديمقراطي السوري الذي ساهمنا مع كثير من الوطنيين الديمقراطيين بتأسيسه عام ٢٠١٧ هي تجسيد لهذه القناعة والعمل على تحقيقها. وأعدنا التأكيد على صوابية وضرورة المؤتمر الوطني من خلال المبادرة الوطنية السورية التي وضعنا صيغتها النظرية وذلك قبل أكثر من عام من انطلاق مبادرتنا الحالية في جنيف عام ٢٠١٩. والتي قطعنا في طريق تحقيق غايتها وهو المؤتمر الوطني السوري لاستعادة القرار والسيادة شوطا كبيرا مؤكدين أنه يحق لكل سوري أن يشارك في هذا المؤتمر ماعدا من سرق أو قتل السوريين.

  • في أعماقك وبعيدا عن السياسة والإعلام، هل تعتقد أن بإمكان الوطنيين السوريين استعادة القرار والسيادة، أم هو طموح بعيد المنال بوجود قوى عسكرية خارجية وفيالق سورية تحت تصرفها والإرتزاق السياسي والعسكري اللذان أصبحا ظاهرة عامة؟

الوضع في سوريه أصبح معقدا لكثرة المتدخلين فيه، ولكنه أيضا، واضحا لوضوح مصالحهم، وأخطر ما فيه هو الوجود العسكري المتعدد  لقوات نظاميه أمريكيه وتركيه وإيرانية وروسية وميليشيات عديده مثل حزب الله والأفغانية والعراقية المرتبطة مع إيران وفصائل جهاديه وفصائل تعمل بأمرة الأتراك، كل هذا يعقد العمل السياسي ويثبط العزيمة ولكن من يعمل في الشأن العام لا يعرف لليأس مكانا لأن تقوية الأمل عند الآخرين إحدى مهامه، إضافة إلى أن حقائق التاريخ وتجاربه تؤكد على نهاية كل الاحتلالات ونهاية الأنظمة المرتبطة بها. انتشار ظاهرة المتاجرة والارتزاق السياسي أصبح مسألة غير خافية على أحد، ولكنها مؤقتة وعابرة، لأن الوطنيين الصادقين والمضحين في سبيل استقلال وطنهم وقرارهم هم الأقوى، وأن ظهرت غيمة الضعف فهي لا تمطر ولا تبقى. ولنا في تجربتنا الوطنية للاستقلال الأول والتجارب العالمية خير أمثلة وإن اختلفت الظروف والأوضاع.

  • كنت ممن تحدث عن فشل العسكرة الحتمي منذ 2011، وناضلت على عدة جبهات، ضد الحل الأمني العسكري والفصائل “الجهادية” والميليشيات الأجنبية الموالية للنظام. هل تعتقد بأن الصوت الذي تمثله قادر على الوصول إلى كل السوريين من درعا إلى القامشلي ومن إدلب إلى البادية؟ أم أن هناك حاضنة شعبوية لهذا أو ذاك؟ والقطب الديمقراطي هو الأضعف؟

إن النظام المجرم الذي نناضل لتغييره جذريا وفق قرارات الأمم المتحدة وبشكل سلمي، هو من اخترع الحل الأمني أولا ثم العسكري لعجزه عن مواجهة الحراك الشعبي العارم بداية الثورة والمظاهرات المليونية في المدن السورية.  وكان في أجندته وهو يقتل المتظاهرين السلميين ويعتقلهم، إطلاق سراح المعتقلين الإسلاميين ليشكلوا فصائل جهادية ومتطرفة.. ألا تذكرون كيف تحدّث قبل العفو الرئاسي في أيار 2011 عن تنظيمات سلفية  إرهابية؟  كانت عورة الحل الأمني العسكري ظاهرة للعالم أجمع. وكسبنا تعاطف الأحرار في كل بلدان الأرض. مع تحول العسكرة تحول الموضوع إلى نزاع مسلح بين طرفين يشكل كل منهما مبررا للآخر، مع ملاحظة الدور الإقليمي في تسليح واستقدام عناصر إرهابية إلى داخل سوريا عن طريق تركيا ودعم دول الخليج. لذلك كان من الطبيعي أن يكون موقفنا كتيار وطني ديمقراطي ضد النظام وضد جميع هذه الفصائل المسماة جهادية،  والتي هي بعيدة،  بل معادية للثوره وأهدافها، منطلقين من قناعه أن الشعب السوري برغم كل ما دفع الآخرون لتشويه ثورته ونضاله في سبيل نظام وطني ديمقراطي في دولة القانون والمواطنة، قادر على أن يرفع صوته فوق كل الجغرافيا السورية. وإذا لاحظنا الأسماء التي حتى الآن طلبت المشاركة بالمؤتمر نجد جوابا وان لم يكتمل بعد ولكنه مطمئن إلى صوابية خيار القطب الديمقراطي .

أجرت المقابلة محررة الموقع

عن موقع كركدن