مرام داؤد

بعد انقضاء تسع سنوات على انطلاقة الثورة السورية في ٢٠١١، سرعان ما تم زجها في حروب بالوكالة يدفع فيها السوريين والسوريات ثمن صراعات اقليمية ودولية ساحتها الأراضي السورية، بل ويمكن القول أن الإنسان السوري يدفع ثمن تحول النظام العالمي أحادي القطب إلى شكل لم تتوضح معالمه بعد. فقد تفجرت الإنطلاقة التي نادت بالحرية والكرامة للشعب السوري، تفجرت في ظروف سياسية ودولية تختلف تماماً عما هي عليه اليوم. فالسوريون والسوريات الذين نادوا بضرورة التغيير السياسي حينها يجدون أنفسهم اليوم – جراء قمع النظام الدموي والمطامع الدولية – في وضع أكثر تعقيداً تختلط فيه المطالب السياسية بأخرى اقتصادية ملحة وغيرها من مطالب وطنية تتعلق بالوجود الأجنبي على الأراضي السوري. ومع تعنت السلطة السورية في الرضوخ للمطالب السورية بل وفشلها أيضاً في إدارة ملف الأزمة، إضافة لفشل الطبقة السياسية التقليدية في أن تكون ممثلاً حقيقياً لهذا الحراك، وهي التي كانت قد امتطته عوضاً عن تمثيله، نجد أنفسنا أمام واقع مختلف تماماَ عما كان عليه الوضع في ال٢٠١١. الأمر الذي يستدعي منا جميعاً رؤية مختلفة للخروج من هذا الواقع.

يعيدنا هذا الواقع إلى اللحظات الأولى لتأسيس الدولة السورية في محاكاة للمؤتمر السوري العام عام ١٩١٩ وإعلان المملكة العربية السورية في 1920، والتي ضمت جماعات عرقية واثنية ودينية حددت فيما بينها مفهوم الدولة المدنية المنشودة ونظامها السياسي وما يترتب عليه من أعباء اقتصادية في مواجهة الوجود الأجنبي على الأراضي السورية لاحقاً ومطامع هذه الدول في محاكاة مماثلة -analogy-.

اليوم، ومع فشل الدولة السورية من الناحية الوظيفية للمفهوم، تصبح الدعوة إلى مؤتمر سوري عام يمثل كل المكونات الاجتماعية لسوريا ضرورة وجودية في سياق كالذي نعيشه، آخذين بعين الاعتبار أن قرار مجلس الأمن ٢٢٥٤ أيضاً ينص على عقد مؤتمر سوري عام. بمعنى آخر، في ظل الظروف السياسية والاقتصادية والدولية الخطيرة التي تمر بها البلاد ومع توافر الشرط القانوني فليس هناك ما يمنع السوريين من التداعي لعقد مثل ذلك مؤتمر يضعون من خلاله تصورهم لمستقبلهم ويعملون عليه. إن من شأن أوسع تمثيل للطيف السوري اليوم ممثلاً في مؤتمر كهذا أن يقول للعالم أجمع ما هو الذي يريده السوريون والسوريات مباشرة للعالم ومن دون مصادرة سياسية لقرار أحد من قبل أحد.

ولكن يبقى الأهم هو ما يجب على هذا المؤتمر أن يقدمه؟

من واجب هذا المؤتمر تقديم تصور وطني متكامل لكل ما يسمح باستمرار الدمار والهدم من جهة، وأن يفتح الآفاق لبناء دولة مؤسسات عسكرية وأمنية وقضائية جديرة بوطن سيد ومواطن كريم من جهة ثانية. أي الإجابة الواضحة على:

 من نحن وماذا نريد وكيف نرى سبل الخروج من الاستعصاءات الهيكلية والوظيفية للدولة والمجتمع.

وأن يقدم جسما سياسيا سياديا تمثيليا سوري الطعم دون رتوش خارجية أو تبعيات علنية أو مستترة. تعيد للسوريين الحق في تقرير مصيرهم  بأنفسهم.

وعلى الصعيد العملي، على المؤتمر فوراً توظيف الطاقات السورية المشاركة في شكل لجان تنفيذية خدمية وتنموية تعمل على الحد من تأزم الوضع الاقتصادي من خلال حملات الدعم المالي المباشر للعائلات السورية الأشد حاجةً. بالإضافة، يجب خلق منظومة مشاريع صغيرة يتم دعمها في الوطن والمنفى تصب في تغيير هذا الواقع قليلاً من خلال ماقد تساهم في خلقه من فرص عمل. هذه المنظومة لها ضرورة أمنية واجتماعية اليوم بالإضافة لحاجتنا الاقتصادية لها. كل ذلك يتطلب دعماً من رجال الأعمال الوطنيين السوريين، ومساهمات من المؤمنين بكذا نهج قدر المستطاع على أن تتم إدارتها بشكل مؤسساتي يشكل قطيعة مع إرث الفساد والتبعية. يراد اليوم من رجال ونساء الدولة السورية المنشودة – وليس من السياسيين – إعادة إعمار فيزيائي واجتماعي لأركان المجتمع  والدولة السورية.

مسألة أخرى بغاية الأهمية وهي استثمار المؤتمر للإعلام في دعوته هذه لخلق تغيير في الواقع السوري. لا تصعب على أحد ملاحظة التخندق الحاصل في الإعلام الذي يتعاطى ليس فقط مع الأزمة السورية بل ومع كل ما يحصل في الجوار بشكل بعيد كل البعد عن معاناة الشارع اليوم. الأمر الذي أفقد الإعلام المصداقية، فإعلام التحزبات والتحالفات يفرض عليه منهجية تطبيع مع ممول دون آخر تفقد فيه المؤسسة الإعلامية استقلاليتها وشفافيتها لتصبح ذراعاً سياسياً في حرب مشؤومة. أي أنه وبصريح العبارة، لا تلعب مؤسسات الإعلام اليوم دورها في النقد والاستقصاء العادل مما يضطرها غالباً لنشر الشائعات أو الأكاذيب – fake news-. وليستطيع المؤتمر صناعة إعلام ملتزم قادر على نقل صورة حقيقية وشفافة للسوريين والسوريات عن الواقع ومخارجه، لا بد له أن يستثمر في الشباب السوري في الداخل والمنفى فهم قادة الانتقال الديمقراطي اليوم وغداً ولا بديل اليوم عن تمكينهم سياسياً والاستفادة من خبراتهم وأدواتهم.

لقد علمتنا السنوات الماضية أن أي مشروع وطني عقلاني سيواجه من حزب المزاودين وحزب المراهقة السياسية وحزب الوصفات الإيديولوجية الجاهزة وحزب (إذا ما وراكم دول راح تفشلوا) وأخيرا حزب البارانويا (اللجنة التحضيرية تتلقى الأوامر من بوتين عن طريق سيخوف؟)… ويجمع هؤلاء اللجوء إلى الكذب للإساءة لهذا المشروع بنسب أقوال لبعض شخصيات المؤتمر أو تقديم أنفسهم كخبراء يعلمون بأسرار لا يدركها إلا العارفون؟؟

ولعل في انكشاف أمر هذه الطفيليات، التي انتجتها المأساة السورية، ما سيوضح للناس أن هناك فارق بين خطابات المزاودة والبرامج العملية المفيدة للسوريين أولا وأن من مهمة الوطنيين الديمقراطيين السوريين كشف التناقض بين الكرامة والتبعية، بين العقلانية والصبيانية.

هل من بديل عن مؤتمر وطني أو سيناريوهات وطنية سيادية أخرى ؟ حتى اللحظة لم تثمر لا اللجنة الدستورية ولا مسار جنيف ككل، عن أي تقدم في ملفات الإنتقال الديمقراطي والمعتقلين قسرياً والمغيبين والمخطوفين. ناهيك عن أن هذا المسار أساساً غير معنٍ بوضع البلد الاقتصادي في ظل عقوبات اعتباطية تمارسها دول ومؤسسات بشكل لا يخدم سوى سياساتها ويثمر عن شلل لحياة السوريين والسوريات أينما وجدوا. طبعاً دون إغفال غيبوبة الحكومة السورية الكاملة عن المشهد اليوم وعن مطالب وحاجات الشعب السوري التي لم تعد تحتمل الاعتباط والعبط في معالجتها. ولا داعي أصلاً ذكر الحل العسكري سيء الصيت والذي دمر البلاد وشعبها وجلب الويلات ليستفيد فقط أمراء الحرب من السلطة والمعارضة من اقتصاد الحرب. وفي غياب أي مبادرة سورية تضع المواطنة والانعتاق من الظلم في رأس أولوياتها لا نجد اليوم من بديل لتلك الخطوة.