خارطة الطريق المقترحة من أجل سوريا ديمقراطية ودولة مدنية

لقد دخلت القضية السورية في مراحل متصاعدة من التعقيد والعسكرة الناجمة عن سياسات النظام القمعية وقوى التطرف والارهاب، والتدخلات المتعددة الأشكال التي حولت سوريا الى ساحة صراع إقليمي ودولي ملوث بالعنف والمذهبية، وكلها باتت تهدد الوجود السوري والمنطقة. ومع استحالة الحسم العسكري لأي طرف، تقودنا الصراعات المسلحة نحو السيناريوهات الأشد ظلامية، التي تجعل من سوريا كدولة وشعب الخاسر الأكبر.

إننا ندعو إلى مؤتمر وطني جامع، يضمن تمثيلا واسعا ووازنا للمجتمع السوري، يعيد للسوريين حقهم الطبيعي والمشروع في تقرير مصيرهم بأنفسهم، ويؤمن أرضيةً موضوعية لأجواء العمل المشترك والتحرك الجماعي لإنقاذ البلاد. مؤسساً لمقومات الخيار السياسي الوطني المتمثلة في الاستجابة لتطلعات الشعب السوري وثورته والحفاظ على وحدة سوريا أرضاً وشعباً، وتأكيد استقلالها واحترام ودعم سيادتها علي كامل أراضيها، والحفاظ على الدولة السورية بكامل مؤسساتها من خلال تنفيذ “بيان جنيف” الصادر عن مجموعة العمل الدولية لأجل سورية بتاريخ 30 حزيران/يونيو 2012 وقرار مجلس الأمن 2254.

انطلاقاً من هذه الرؤية نتقدم إلى الشعب السوري وإلى المجتمع الدولي بهذه الخارطة المكثفة لآليات تنفيذ عمليةٍ قابلةٍ للتحقق وقادرة على الانتقال لتسويةٍ سياسيةٍ غايتها تغيير النظام بشكل جذري وشامل، والذهاب إلى نظام ديمقراطي تعددي غير طائفي، يوفر الحرية والكرامة والعدالة والمساواة لكل السوريين.

ينطلق تصورنا من أن فكرة النصر العسكري مجرد وهم يزرعه تجار الحرب والموت. وبالتالي استحالة الحسم العسكري ومأساويته، وكذلك استحالة استمرار منظومة الحكم الحالية، التي لا مكان لها في وطن سيد ودولة مواطنة لكل أبنائها. واعتبارنا الحل السياسي التفاوضي هو السبيل الوحيد لإنقاذ سوريا. ويجري هذا التفاوض بين وفدي المعارضة والنظام برعاية الأمم المتحدة ومباركة الدول المؤثرة في الوضع السوري.

يبرم الوفدان اتفاقاً يتضمن برنامجاً تنفيذياً لبيان جنيف، ووضع جدول زمني وآليات واضحة وضمانات ملزمة للتأكد من التنفيذ. هذه الضمانات والالتزامات تتطلب التعاون الكامل من الدول الإقليمية المؤثرة، وتكتسب غطاءها القانوني من قرار مجلس الأمن 2254، الذي وضع إطاراً عاماً يشكل الناظم لخارطة الطريق التي نقترحها.

**أولاً: النظام السياسي المنشود في سوريا

إن الهدف السياسي للعملية التفاوضية المباشرة هو الانتقال إلى نظام ديمقراطي برلماني تعددي تداولي. يرسم معالمه ميثاق وطني مؤسس، يرتكز على مبدأ المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات لجميع السوريين، بغض النظر عن الجنس أو القومية أو المعتقد أو المذهب. دولة قانون ومؤسسات لكل أبناء ومكونات الوطن، وهي صاحبة الحق الشرعي الوحيد في حمل السلاح. مهمتها، بسط سيادة الدولة على كافة أراضيها، والدفاع عنها وعن مواطنيها، وتقديم الخدمات لهم، وترسيخ فصل السلطات وتنظيم الحقوق والواجبات، واحترام الدستور والقوانين وتجريم الطائفية السياسية ومحاربة الإرهاب بكافة مصادره وأشكاله.

**ثانياً: إجراءات تهيئة المناخ للحل السياسي قبل وأثناء التفاوض

لا يمكن بدء العملية التفاوضية في ظل غياب أي قدر من الاتفاق بين أطراف التفاوض. ومن الصعب الوصول لاتفاق مفصّل وتحديد آلياته، في غياب ما يقدم للشعب السوري من مؤشرات ملموسة وعاجلة للتغيير في السياسة والنهج والأساليب، والتي اعتمدت وأوصلت إلى جعل العنف هو الخط البياني الصاعد والوحيد في السنوات الأخيرة. وهمشت دور السوريين بكل تعبيراتهم وهيئاتهم من هنا ضرورة إقرار الطرفين منذ البدء مباشرة الإجراءات التالية، والآليات المشتركة لتنفيذها، وذلك بدعم وغطاء دولي من مجلس الأمن:

تضع “المبادرة الوطنية السورية” في صلب مهماتها، التواصل والتنسيق مع كل الأطراف السورية المستقلة القرار والإرادة، المؤمنة بسوريا دولة ديمقراطية مدنية عصرية، من أجل أوسع استقطاب وطني. ويشمل ذلك المجتمع الأهلي بالمعنى الواسع من قيادات اجتماعية ودينية ومدنية، والمكونات السياسية والعسكريين.

من الضروري جمع أكبر قدر ممكن من الوطنيين السوريين على منطلقات أساسية عملية، تجمعهم في مؤتمر وطني يجمع أكبر عدد ممكن من مكونات المجتمع السوري، دون تهميش أو إبعاد لأحد.

إن المهمة الأساسية للمؤتمر الوطني السوري برأينا تكمن في وضع لبنات الإنتقال إلى دولة مؤسسات ذات سيادة وشعب حر. لذا نضع نصب أعيننا من أجل بناء غدٍ جديرٍ بتضحيات شعبنا:

– الحفاظ على وحدة التراب الوطني، وعلى كل شبر من الأراضي السورية قضية غير قابلة للتفاوض.

– إيقاف مسار الحرب، والتسليح والدمار والشرذمة والتبعية والوصاية الذي أخذت إليه البلاد.

– جدولة خروج جميع المقاتلين غير السوريين والميليشيات الأجنبية من الأراضي السورية. من أي بلد جاؤوا ولأي طرف انضموا.

– تشكيل هيئة للعدالة الإنتقالية، لمحاسبة كل من ارتكب جرائم جسيمة بحق الإنسان السوري.

–  إعادة بناء الجيش الوطني السوري بعيدا عن الحزبية والعقائدية والإيديولوجيات والطائفية، جيش في خدمة وحماية الوطن والمواطن. وحلّ كل الميليشيات المسلحة.

– إعادة هيكلة أجهزة الأمن على أساس مهني يلتزم معايير حقوق الإنسان ويعمل على حفظ أمن الوطن والمواطن، وإدماج طبيعة ودور الأجهزة الأمنية الجديدة في الدستور.

– إطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين في عموم الأراضي السورية، والتحقيق في مصير المفقودين، وتوثيق جرائم التعذيب والقتل في المعتقلات ومراكز التحقيق.

– تجريم الكراهية الطائفية والعرقية والإرهاب.

– لا يمكن النجاح في بناء السلام والحرية والكرامة والسيادة الوطنية دون بناء دولة مواطنة لكل السوريين دون تمييز أو إقصاء.

– إلغاء كل الإجراءات الإستثنائية المتعلقة بمنح الجنسية بعد 2011.

– الدستور السوري هو العقد الاجتماعي الموحد للسوريين. لذا فإن مهمة أية لجنة دستورية، يجري التوافق عليها، تثبيت الالتزام الدستوري بمبادئ حقوق الإنسان والمساواة في المواطنة وصون الدولة السورية ومؤسساتها، وفصل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، كذلك مبدأ التداول السلمي التعددي للسلطة، واللامركزية الإدارية.

– إعادة النظر بجملة الإجراءات والقوانين الاستثنائية الصادرة من عام 2011 وحتى اليوم.

– تلتزم الدولة السورية بإعادة جميع المنشقين والمسرحين والمطرودين، من ضباط وصف ضباط وأفراد متطوعين، ما لم يكن قد صدر بحقهم عقوبة على خلفية جنائية أو أخلاقية، إلى صفوف الجيش والقوات المسلحة، مع احتفاظهم بالقدم الوظيفي ورتبهم والعلاوات والترفيعات التي تنص عليها القوانين ذات الصلة، ويسري الأمر على المدنيين.

– تلتزم الدولة بإعادة جميع الممتلكات المصادرة أو المسروقة أو المعتدى عليها بطرق غير قانونية إلى أصحابها الشرعيين. واعتبار المرسوم 10 باطلا.

– تلتزم الدولة السورية بالعودة الآمنة لجميع السوريين اللاجئين والمهجرين السوريين.

– الحوار السوري السوري هو السبيل الأمثل لتحقيق هذا البرنامج، خارج أية وصاية خارجية. بضمانات واضحة من الأمم المتحدة وفي إطار قراراتها الدولية.

 **ثالثاً: هيئة الحكم الانتقالي

لقد أثبتت تجارب السنوات الماضية، أنه من المستحيل تحقيق هذه الأهداف، ضمن شكل وتركيب هياكل السلطة القائمة. من هنا، وانسجاما مع القرارات الأممية في القضية السورية، وبشكل خاص “بيان جنيف” وقرار مجلس الأمن 2254، أصبح من الضروري وضع الإنتقال السياسي على بساط البحث، إن كنا ننشد خروجا حقيقيا من الأوضاع المأساوية التي يعيشها أبناء شعبنا، تغييرا ديمقراطيا وطنيا فعليا في البلاد. لذا، نرفض اختزال العملية السياسية في أية سلة وحيدة من سلالها. ونطالب بتكوين هيئة حكم انتقالي، تنقل لها جميع الصلاحيات التشريعية والتنفيذية، وينبثق عنها لذلك المؤسسات التالية وتسمية أعضائها ورئاساتها في غضون ثلاثة أشهر من بدء أية مفاوضات جدية قائمة على مبادئ الإلزام والإلتزام والتأقيت، وبضمانات دولية واضحة:

1- المجلس الوطني الانتقالي

يتولى مهمة التشريع والرقابة على الحكومة في المرحلة الانتقالية، ويضم ممثلين عن كافة التحالفات والقوى السياسية المؤيدة للانتقال الديمقراطي، وممثلين عن المجتمع المدني بحيث يمثل كافة مكونات الشعب السوري على نحو وازن وعادل، ويقر المجلس الميثاق الوطني لسورية المستقبل، وإعلان دستوري مؤقت.

2- مجلس القضاء الأعلى

الإتفاق على تشكيل “مجلس القضاء الأعلى” وتحديد مهامه، وتسمية أعضائه من بين قضاة مستقلين محايدين معروفين بالكفاءة والنزاهة.

3- حكومة المرحلة الانتقالية

تشكيل “حكومة انتقالية” وتحديد مهامها، وتسمية أعضائها وتوزيع حقائبها، على أن تتمتع هذه الحكومة بكافة الصلاحيات التنفيذية المدنية والعسكرية الممنوحة لرئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء في الدستور الحالي، وذلك وفقاً لبيان جنيف.

4- المجلس الوطني العسكري الإنتقالي

يضم المجلس ضباطاً من كافة القوى العسكرية المؤمنة بالحل السياسي والانتقال الديمقراطي. يعمل المجلس تحت إمرة الحكومة الإنتقالية، وتخضع له كافة القطاعات العسكرية، مهمته المركزية بناء جيش وطني وقيادة القوات العسكرية والأمنية، وإدارة عملية دمج الفصائل المسلحة المؤمنة بالحل السياسي وحفظ الأمن والاستقرار ومكافحة الإرهاب والتنظيمات الإرهابية وأية مجموعات أو عناصر مسلحة تتحالف معها أو ترفض الحل السياسي وتستمر في القتال، والبدء في عملية بسط السيادة السورية على كامل أراضيها.

5- الهيئة المستقلة العليا للإنصاف والعدالة والمصالحة

يشكل المجلس الوطني الانتقالي “الهيئة المستقلة العليا للإنصاف والعدالة والمصالحة” تتبع له، ويحدد مهامها. تضع الهيئة برنامجاً للمصالحة الوطنية وإعادة السلم الأهلي، والإشراف على برنامج العدالة الإنتقالية، ورأب الصدع الذي أصاب النسيج المجتمعي السوري جراء الأحداث الماضية.

**رابعاً: إجراءات أساسية في المرحلة الانتقالية

1- يعلن المجلس الوطني الانتقالي عن تعطيل العمل بالدستور الحالي، وهيئات الحكم المبنية عليه، وإلغاء جميع القوانين والتدابير والمشاريع الاستثنائية التمييزية، وفصل حزب البعث عن جميع أجهزة الدولة بما فيها الجيش والقوى الأمنية، وتنفيذ ما يتم التوافق عليه.

2- من المهام العاجلة للحكومة الانتقالية استكمال الإجراءات الواردة في بند “إجراءات تهيئة المناخ للتسوية السياسية قبل وأثناء التفاوض” من هذه الخارطة، والشروع في إعادة هيكلة القوات المسلحة والشرطة والأجهزة الأمنية، واعادة دمج المنشقين من ضباطها وعناصر في مؤسساتها، وتنظيم عملها وفق المبادئ الدستورية، والشرعة الدولية لـحقوق الإنسان، ويمكن الاستعانة بالدعم الدولي فنياً ومادياً من خلال برامج الأمم المتحدة والدول المانحة، وكذلك الاستعانة بخبرات الدول العربية الشقيقة.

3- تكليف فريق واسع التمثيل من المختصين بإعداد مسودة دستور جديد للبلاد، ويقر مشروع الدستور من قبل المجلس الوطني الانتقالي، ويقدم للاستفتاء عليه من قبل الشعب السوري بإشراف الأمم المتحدة.

4- تقوم الحكومة بإعداد برنامج فوري لإعادة الإعمار وعودة اللاجئين والنازحين، وتدعو في هذا الصدد لعقد مؤتمر دولي للمانحين، تتعهد فيه القوى الإقليمية والدولية بدعم اقتصاد إعادة البناء، ويتم تنظيم موازنة العودة والبناء والتنمية عبر صندوق وطني، تتكفل الدول الداعمة بتفعيله. وتخضع سياسات الإنفاق والصرف لرقابة السلطات التشريعية والإدارية والمدنية ومسائلة السلطة القضائية لترشيد الاستخدام وسد أبواب الفساد والهدر.

5- تحدد المرحلة الانتقالية بعامين اثنين وتنتهي بإجراء انتخابات عامة، محلية وتشريعية ورئاسية، وفق الدستور الجديد، بإشراف المنظمات الدولية والإقليمية المعنية.

**خامساً: إجراءات دولية لدعم التفاوض والعملية الانتقالية

بسبب تعقيدات الأزمة السورية، والتدخلات الإقليمية والدولية فيها، وخصوصاً التعقيدات الناجمة عن الصراع المسلح في البلاد، ولصعوبة وقف الأعمال العسكرية بإرادة المتقاتلين السوريين، من الضروري أن يتم ضمان أي اتفاق بين الجانبين السوريين من قبل الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والدول العربية والإقليمية، بحيث تكون تلك الدول والأطراف هي الشاهد والضامن لتنفيذ الاتفاق.