لقد دخلت القضية السورية في مراحل متصاعدة من التعقيد،و والعسكرة، وتحولت سوريا إلى ساحة صراع إقليمي ودولي ملوث بالعنف، والمذهبية، والطائفية، وجميعها باتت تهدد وحدة الشعب السوري ووجوده. إن الاستمرار بخيار الحل العسكري الذي يبدو مستحيلاً، يقودنا إلى سيناريوهات ظلامية تجعل سورية أرضاً وشعباً، هي الخاسر الأكبر، وغيرها رابح، وذلك إذا لم يمسك الشعب السوري زمام الحلول من أجل تحقيق ذاته، واستعادة قراره لبناء مستقبله؛ لذلك سوريا الآن في أزمه بل أزمتها مستمرة ،و تواجه الشعب السوري تحديات واستحقاقات هامة وكبيرة، وأرى أن الحل الأمثل للأزمة السورية اليوم، وأقولها مكرهاً؛ لكنها واقعية لا يمكن الحل دون التوافق الدولي “وحده وصراع الأضداد”،
وأهمها الدول الغربية الإمبريالية منها والشرقية، لا بد من توافق دولي لتحقيق المكاسب الاقتصادية والسياسية، وحلول تخدم مصالحها، وكذلك الدول الإقليمية عربية وأجنبية، من السعودية وقطر حتى تركيا وإيران. لذلك بدا واضحاً: السياسة تعمل في خدمه الاقتصاد والمصالح المادية.
سياسة الاستئثار، فالاستثمار والنهب هو هدف واضح لهذه الدول المتصارعة في العمل من أجل تحقيق تلك المصالح على حساب الشعب السوري، وقد استخدمت هذه الدول أدوات متعددة للوصول إلى أهدافها، وتحقيق مكاسبها، وبأساليب متنوعة وكثيرة، منها ما هو مباشر، التدخل الدولي، والاحتلال العسكري، واستخدام جميع الأسلحة المدمرة للشعب السوري، والجغرافيا السورية، وذلك باستخدام قواعد عسكرية على الأرض السورية، أو في الجوار، بالإضافة لهذا الضغط العسكري المباشر والتهديد بالقوة، وهي تترافق مع ضغط سياسي أيضاً. ومنها ما هو غير مباشر، من خلال ما يسمى داعش، وجبهة النصرة، أو فصائل مسلحة مختلفة، وهي جميعها أو في معظمها خادمة لهذه الأجندات الدولية. ومنها ما هو داخلي، و أهدافها تصب في خدمة الدول الكبرى ومصالحها. ولا نستطيع إغفال معاناة الشعب السوري، وحالة الفقر الشديد مع انهيار القيم الدينية، والوطنية، والأخلاقية الحقيقية، وهذه نتيجة لما سبق؛ ولكنها دخلت اللعبة كمؤثر هام في تحقيق وحدة الشعب السوري. أعتقد هذا ما يجري في سورية، واليمن، وليبيا، ودول أخرى.
إنها صراعات فتاكة، وقد تحولت من صراع مع النظام، لصراع مع النظام وقوات الاحتلال، وصراع فيما بينها. تحول من انتفاضة لتحقيق الحريات والعدالة إلى السعي بالحرب لاستبدال السلطة بأُخرى
في سورية مثلاً، الصراع أخذ أشكالاً مختلفة، إنه صراع مدمر وكارثي، لذلك نستطيع القول: إن الكارثة السورية كارثة لم يشهد التاريخ مثلها من قبل، و قد تعود جذورها للنصف الثاني من القرن الماضي، صراعات فتاكة. عندما بدأت حركة التحرر الوطني بالتشوه، والتشويه، وتميزت بالفساد والاستبداد، و الانقلابات العسكرية، والإملاءات من الخارج، غرباً وشرقاً، وبدأت التحولات تبتعد عن أهدافها الوطنية السياسية الهادفة إلى بناء الدولة المستقلة، دولة المواطنة، والتي تقوم على أساس المساواة، والعدالة، وحريات الناس. وأصبحت تعمل من أجل الثبات على الكرسي، والتوريث في الحكم، والمناصب، مبتعدة عن التطوير والتحديث الذي طُبل له طويلاً، وزُمر له كثيراً، وعلى كل المنابر المتعددة الوظائف والأشكال .
وما تعاني منه تلك الحكومات، تعاني منه أيضاً الأحزاب على اختلاف إيديولوجياتها، ومناهجها القومية، والماركسية، والإسلامية، ومع تحكيم القبضة الأمنية المشددة.
“نفي النفي ً
انطلقت  الشعوب محتجة، في مصر، وتونس، واليمن، وسوريا، وليبيا، وغيرها مُشكلة حركة شعبية غير حزبية، بعيدة كل البعد عن الإيديولوجيات، ولكنها مع قربها من أن تكون عفوية، لم تستطيع أن تتوحد في برنامج متكامل، أو قيادة سياسية جامعة في الشارع. لم تتوحد في التمثيل، والقيادة، فتشتت هذه الثورات في دروب مظلمة، وانقسمت على ذاتها، وتحولت إلى فصائل مسلحة متخاصمة، وتحولت الخصومات لحرب فيما بينها. وتمتثل لأجندات خارجية، وممولين يتحكمون بها، وبعملها على الأرض، جرى ويجري ذلك في سوريا، أو ليبيا، أو اليمن، فيتحول الصراع من بين منتصرين، يطالبون بحرياتهم وحكومات مستبدة فاسدة، إلى صراع بين هذه القوى ذاتها من جهة، وبينها وبين الأنظمة وقوى التحالف الدولية روسيا وأمريكا والقوى الإقليمية تركيا وإيران من جهة أخرى، فركبت هذه الدول الموجة، وبدأت تسعى لتحقيق مصالحها بعيداً عن مصالح الشعب السوري، فالاجتماعات والاتفاقات والهدنة وغيرها، تقررها مجموعات غير سورية ليمتثل لها الشعب السوري، وينفذ قراراتها وخططها؛ لتصب في النهاية  في تحقيق مصالح هذه الدول، إذاً هي حلول دولية وإقليمية على الأرض السورية، وقودها الشعب السوري بل صراعات دولية لتحقيق مصالحها وقودها الشعب السوري .
أستثني من القرارات السابقة فيما يخص سوريا، القرار الدولي  2254 والذي يشكل الحد الأدنى لمطالب الشعب السوري الحقيقية، ويخدم تطلعاته في الحرية، وبناء دولة المواطنة، والانتقال إلى ما يسمى العدالة الانتقالية لبناء سورية.
“مبدأ التحول الكمي إلى كيفيّ.”
في الوضع السوري احتمالات الخلاص من الأزمة السورية  معقدة، ومتشابكة؛ لأن الأزمة السورية أزمة شعب، وأزمة وطن، وأزمة حياه ومعيشة، وأزمة الدول الإقليمية و فصائل مسلحة، أزمة نظام، وأزمة الدول المتحالفة مما يجعل من الحلول المحتملة غير واضحة المعالم ومشوشة، فهذا الوضع المعقد والمتشابك والبحث عن الحلول المجدية، يتطلب العمل الجاد والمزيد من الجهد المضاعف لتوحيد الشعب السوري، والعمل لاستعادة القرار بأن يكون لمصلحة سوريا ولمصلحة السوريين،وأؤكد هنا واقعية مؤلمة أيضاً؛ بأنه لا يمكن حل الأزمة السورية بدون اتفاقات دولية، وتحقيق مصالح هذه الدول؛ لكن يجب أن نعمل بأن تكون المصلحة السورية، مصلحة الشعب السوري هي العليا، ولا يتم ذلك إلا بالحوار الهادئ بين السوريين مستفيدين من أخطاء الماضي، والماضي القريب، ومن تجربة الأمس المؤلمة مبتعدين عن التعصب بكل أشكاله، معتمدين الانفتاح، انفتاح الجميع على الجميع، وذلك من خلال مؤتمر سوري جامع هدفه بناء الدولة المدنية الديمقراطية، دولة المواطنة حيث يمثل هذا المؤتمر محطة مهمة على طريق إعادة القرار إلى السوريين، من أجل تقرير مصيرهم وبناء دولتهم بعيداً عن أي إملاءات خارجية، وتدخلات دولية، وذلك ليضمن وحدة الأرض السورية، ووحدة الشعب السوري على أسس المواطنة، والعدالة، والمساواة في الحقوق والواجبات لكل السوريين. نعم مؤتمر سوري يجسد، الواقع الحالي والمستقبل، شعاره ً : سوريا لكل السوريين. …..

 سليمان الكفيري ناشط سياسي
عضو اللجنة التحضيرية للمؤتمر الوطني لاستقلال السيادة والقرار