أولاً- مقدمـــــــــــــــة:

مما لاشك فيه بأن أحد أهم العناصر الاساسية التي لعبت دورا محوريا وفاعلا في مختلف مجالات الحياة لاسيما السياسية منها والاقتصادية والتربوية منذ فجر الاستقلال وحتى يومنا هذا هو الجيش والقوات المسلحة السورية.

غير أن الدور الاخطر والابرز للجيش بدأ مع تحويله من جيش وطني الى جيش عقائدي يتبنى عقيدة الحزب القائد للدولة والمجتمع (حزب البعث) ويأتمر لاحقا بامرة قائد مسيرة الحزب والشعب الذي تتجمع بيده السلطات الثلاث التشريعية، القضائية والتنفيذية، والذي بات يختزل في شخصه أيضا الدولة والمجتمع وفقا لشعار قائد مسيرة الحزب والشعب.

بعد وصول الاسد الاب الى السلطة كان يدرك حقيقة عدم شرعية نظامه ويستشعر تماما أهمية المؤسسة العسكرية وخطورتها على النظام الحاكم، لذلك لم يكتفي بضمان ولاء الجيش المطلق بل عمد الى تشكيل شبكة أمنية معقدة امتدت اذرعها الخفية منها والظاهرة الى كافة وحدات وقطعات وتشكيلات الجيش والقوات المسلحة من أجل ضمان الرقابة الامنية الصارمة على عمل وسلوك كافة العناصر من (أفراد – صف ضباط – ضباط)، كما أعيد هيكلة الجيش وتحديد مهامه بحيث يستحيل لاية قيادة عسكرية أن تقدم على مجرد التفكير بمعارضة الرئيس أونظام حكمه.

لقد تعرض الجيش منذ وصول الاسد الاب الى وزارة الدفاع عام 1966م الى عمليات تطهير مبرمجة استهدفت التخلص من  الضباط المحترفين المختلفين معه فكرياً، والاعتماد على مجموعة من الضباط المقربين في تولي المناصب الحساسة والمؤثرة، حيث كان هؤلاء على استعداد تام لتنفيذ ماكان يخطط له في الاستيلاء على السلطة وبناء نظام رئاسي مطلق مستدام له ولعائلته من بعده. في جميع الحالات اصبحت شعبة الاستخبارات العسكرية وادارة المخابرات الجوية صاحبتا الكلمة الفصل في اتخاذ كافة القرارات المتعلقة بالجيش والقوات المسلحة بدءا من تعيين عنصر الديوان في وحدة عسكرية انتهاءا بتعيين وزير الدفاع، هكذا تحول الجيش والقوات المسلحة الى أداة تفتقد الاستقلالية الايديولوجية والحزبية والامنية متجاوزا الدور الوظيفي الوطني الذي يفترض أن يقوم به.

مع وصول الابن للسلطة لم تحدث أية تغييرات تذكرعلى صعيد الجيش والقوات المسلحة، حيث كانت القيادة العسكرية سواء في الاركان العامة او قيادة القوى الجوية والدفاع الجوي وقيادة القوى البحرية مستاءة من تعاظم دور الاستخبارات العسكرية والجوية وتدخلها في كل صغيرة أو كبيرة حيث اصبح القادة العسكريون على مختلف المستويات مجرد دمى تتلقى تعليمات يومية من الاجهزة الامنية دون صلاحيات تذكر.  في الوقت الذي كانت تتطلع فيه تلك القيادة الى تحجيم دور اجهزة الامن العسكرية وتاطير تدخلها وفقا للانظمة والمهام الاساسية لها ازداد نفوذها وتسلطها على المؤسسة العسكرية.

في ظل انعدام القيم الانسانية وغياب الهوية الوطنية تحول القادة العسكريون الموالون مسبقا للاجهزة الامنية الى عمالقة يتباهون بالفساد والمحسوبية وباتوا أكثر ارتباطا بالنظام وبسلطة الاسد الابن، كما نشات علاقة مصيرية بين معظم ضباط الجيش الفاسدين والاجهزة الامنية واقيم تحالف عضوي بينهما سيكون له الدور الاساس في تهجير الشعب وتدمير البلد لاحقا.

مما سبق نستنج أنه من غير الممكن احداث تغييرات بنيوية في هياكل السلطة الحاكمة والوصول الى دولة ديمقراطية تعددية عصرية دون القيام بخطوات حقيقية من أجل اعادة بناء الجيش السوري على اسس وطنية تحدد مهامه في الدفاع عن الوطن وحمايته أرضا وشعبا وليس الدفاع عن الحاكم وتكريس سلطته القمعية، كما أن هذا البناء اصبح ضرورة من أجل تصحيح وتنظيم عمل الاجهزة الامنية العسكرية وفقا للمهام التي تكلف بها من قبل القيادات العسكرية التي تتبع لها لتنفيذ المهام المحددة لها في التعليمات والقرارات وانظمة العمل النافذة.

يمكننا القول بأن الاسد الاب استطاع أن يحول الجيش السوري من حيث البنية والمهام الى جيش عقائدي يرتبط بشخص القائد الخالد الذي لايموت وان يبعده عن القيام بالمهام الوطنية المقدسة التي بني من اجلها، كما جعل منه مؤسسة مرتبطة عضويا باجهزة الاستخبارات، وتحولت القيادات العسكرية الى منابر لتمجيد الرئيس وضمان ولائه وضمان دعم وحماية الاجهزة الامنية من اجل ممارسة الفساد المالي والاداري والاخلاقي حتى اصبح هذا الجيش بمثابة جيش احتلال من منظور عامة الشعب السوري. وتحولت خدمة العلم الى كابوس وعبء لايطاق لمعظم الاسر السورية.

ثانيا: ماذا عن الجيش العقائدي؟

نظرا لخصوصية الدور الذي لعبه الجيش السوري منذ انقلاب الثامن من اذار 1963م نجد من الضرورة بمكان تسليط الضوء على أهم الخصائص المميزة التي تشكل الهوية الاساسية لهذا الجيش:

  • إن تحول الجيش السوري الى جيش عقائدي يستمد عقيدته القتالية ويدين بولائه للحزب الواحد (القائد للدولة والمجتمع) افقده الصفة الوطنية السورية واصبح الولاء للحزب كبديل عن الولاء للوطن.
  • مع تنامي دور القائد وتركز كافة السلطات بيده وتبني مفهوم شعار قائد المسيرة تحول مفهوم الجيش العقائدي الحزبي الى مفهوم جيش القائد الخالد وتحول الولاء من الحزب الى الولاء للديكتاتور وعائلته.
  • سيادة الهوية الطائفية المغلفة بالحزبية العقائدية كبديل عن الهوية الوطنية ممارسة وسلوكا من اجل الحفاظ على حكم العائلة.
  • تشكيل فرق خاصة مميزة التسليح والتنظيم والتدريب مطلقة الولاء وصافية الانتماء الطائفي ترتبط مباشرة بالقصر الجمهوري وتتبع شكليا لقيادة الجيش.
  • سيطرة ضباط الطائفة على كافة المناصب والمراكز الهامة والحساسة في الجيش منذ ثمانينيات القرن الماضي وبعد مجيء الابن للسلطة تمت مصادرة ماتبقى من المناصب في سابقة لم يشهدها الجيش منذ نشأته.
  • انتشار مجموعة من الامراض والظواهر السلبية في الجيش والقوات المسلحة وعلى كافة المستويات القيادية واستخدام تلك الامراض من قبل راس النظام من أجل تكريس سلطته وضمان الولاء المطلق للعائلة.
  • مع بدء الانتفاضة الشعبية تحول الجيش الى اداة ضاربة باشراف الاجهزة الامنية لاعتقال أوقتل أوتهجير كل من يعارض حكم الديكتاتور من اجل الحرية والكرامة، واستخدمت كافة أنواع القوى والوسائط القتالية لقمع الانتفاضة وتدمير مدن باكملها فوق ساكنيها.

ثالثا ً– ماهي النتائج  المترتبة على تدخل الجيش العقائدي في مواجهة الانتفاضة الشعبية:

نتيجةً لإصرار قادة الاجهزة الامنية الاربعة والى جانبهم صقور العائلة الحاكمة وممثل الخامنئي على تبني الحل الامني العسكري في مواجهة الانتفاضة الشعبية لاسيما بعد تصفية خلية إدارة الازمة تم زج الجيش والقوات المسلحة من أجل سحق الحراك الثوري السلمي وذلك باستخدام كافة أنواع الاسلحة والذخائر المتوفرة في الترسانة العسكرية لجيش النظام،  نجم عن هذا التدخل مجموعة من الاثار السلبية غير المتوقعة يمكن ايجازها بالاتي:

  1. تصدع البنية التنظيمية للجيش نتيجة انشقاق عدد كبير من الضباط العاملين والمجندين وصف الضباط والافراد.
  2. انحدار مستوى القدرة القتالية للجيش نتيجة للخسائر الجسيمة التي تعرض لها سواء في القوى البشرية أو العتاد القتالي.
  3. حرمان الجيش من القوى البشرية بسبب رفض معظم السوريين أداء خدمة العلم في ظل الظروف القائمة وتهريب ابنائهم خارج البلد.
  4. استنزاف كبير لمعظم التشكيلات في الجيش من مختلف أنواع الوسائط المادية والعتاد القتالي بسبب الخسائر التي منيت بها قوات النظام على مدى تسع سنوات من الاعمال القتالية، واستيلاء المعارضة المسلحة على مستودعات الاسلحة والذخائر في العديد من المواقع.
  5. تدني نسبة الجاهزية القتالية سواء في القوى البشرية او الوسائط المادية والعتاد القتالي بسبب تدني نسبة الاستكمال بشكل عام من القوى والوسائط.
  6. فقدان معظم أنواع الاسلحة والوسائط القتالية لخصائصها وميزاتها الفنية والتعبوية بسبب تجاوز فترة استخدامها للمعدلات المقررة دون اجراء عمليات الكشف الدوري والصيانة اللازمة والاصلاح بسبب توقف العمل في مراكز الصيانة الفنية ورحبات الاصلاح نتيجة انشقاق اعداد كبيرة من العاملين فيها واستخدام ماتبقى منهم في الاعمال القتالية.
  7.  اصبحت الميليشيات المتطرفة والارهابية الاجنبية والمحلية المرتبطة بالخارج تسرح وتمرح في عرض البلاد وطولها دون رقيب، بينما الجيش الذي يفترض ان يكون رمزا للسيادة الوطنية ينقسم الى فرق وفيالق ومجموعات تحت امرة امراء الحرب المرتبطين وقادة الاجهزة الامنية الذين اصبحوا مجرد دمى تتلقى أوامرها من خارج الحدود، ، القرار الوطني اصبح بيد المحتل وتحولت السلطة الحاكمة الى مجرد واجهة لبيع ماتبقى من البلد من اجل الاستمرار في الحكم.

العميد الركن فايز عمرو

بيد أن الاثر الاكبر تمثل في فقدان السوريون الثقة بهذا الجيش وقيادته ولم يعد في منظور العامة بانه جيش وطني بل بدأوا ينظرون اليه بنفس نظرتهم للأجهزة الامنية التي توغلت بعيدا في سفك دماء السوريين المطالبين بالحرية والكرامة، واصبحت القناعة متجذرة في ذاكرتهم بان الجيش السوري يعمل تحت شعار (الاسد أو نحرق البلد). بهذا الشكل ارتدى الجيش السوري الذي تم بناؤه على حساب قوة الملايين الرداء الذي طالما تبجحت به الاجهزة الامنية بقهرها وقتلها واستباحتها كرامة السوريين على مدى خمسة عقود من حكم عائلة الاسد.

رابعاً – ماذا عن الجيش الوطني التابع للحكومة المؤقتة؟

مما لاشك فيه بان التدخل الخارجي كان له الدور الحاسم منذ بداية عسكرة الثورة في سيطرة المجموعات الراديكالية والفصائل الاسلامية المسلحة على المشهد العسكري، كما كان له الدور الاساس في منع تشكيل بنية عسكرية بقيادة عسكرية وطنية سورية، حيث تم استبعاد واقصاء جميع الكوادر العسكرية الوطنية المؤهلة. بيد أن مايهمنا هنا هو ماألت اليه المعارضة المسلحة بعد قرابة تسع سنوات من الصراع المسلح الذي اختتم بتشكيل مايسمى بالجيش الوطني السوري منذ 30 ايار 2017م، فما هي أهم الخصائص المميزة لهذا الجيش؟

  • البنية الفصائلية والمناطقية والاثنية للجيش حيث يضم تجمع عدد كبير من الفصائل المستقلة عن بعضها البعض والمتناقضة ايديولوجياً، واستحالة دمجها في بنية عسكرية كاملة ومتماسكة سرعان ماتدخل في صراعات بينية لاسباب لا حصر لها.
  • عدم توفر قيادة عسكرية مركزية موحدة، وانعدام التراتبية العسكرية، وسيطرة العناصر المدنية على معظم الفصائل.
  • عدم وضوح دور ووظيفة هذا الجيش الانية والمستقبلية وتعدد المهام التي يعمل على تنفيذها بتعدد الفصائل وتبعيتها وتعدد الولاءات والايديولوجيات.
  • الطبيعة العقائدية الاحادية لبنية هذا الجيش حيث ينحدر كل منتسبيه من طائفة محددة.
  • عدم وجود قيادة سياسية يتبع لها هذا الجيش، في حين ان الفصائل تعتبر نفسها بنى مستقلة تستمد شرعيتها من البندقية التي تمتلكها وهي مفوضة للقيام بكل ماهو ممكن من أجل استمراريتها للحفاظ على المكاسب المادية والمعنوية التي تعتبرها حقا مشروعاً.
  • ارتباط كافة الفصائل التي تشكل ائتلاف الجيش الوطني باوامر وتعليمات الجهات الداعمة لها وتنفيذ المهام وفقا لارادة الداعم بعيدا عن المهام الوطنية الاساسية التي يفترض أن تعمل من أجل تنفيذها.
  • سيطرة العناصر الاسلامية على كافة الفصائل المعتدلة منها والراديكالية والتي تتحكم بهذه الفصائل من خارج الحدود.

على الرغم من الخصائص التي تسلط الضوء على بنية وتركيبة هذا الجيش إلا أن الثابت في الامر هو أنه  في النهاية يضم عشرات الالاف من المقاتلين السوريين الذين اصبح وجودهم وتسليحهم أمرا واقعا لايمكن تجاوزه في إطار أي حل سياسي، ويتوجب التفكير مليا والتخطيط من أجل وضع الحلول الكفيلة لعملية الفرز وإعادة التاهيل واستيعابهم في مختلف مؤسسات الدولة وفي بوتقة الجيش الوطني الذي يجب أن يكون من اولويات الحل السياسي للقضية السورية.

 بالتاكيد هذا الدمج سيكون وفق خطط وبرامج تأهيل وطنية يشرف عليها المجلس العسكري المقترح تشكيله في إطار عملية الانتقال السياسي السلمي للسلطة.

يسيطر الجيش الوطني السوري اليوم على مناطق الباب وجرابلس وعفرين واعزاز والراعي ومنطقتي تل ابيض وراس العين أضافة الى سيطرة جبهة النصرة على قسم كبير من محافظة ادلب.

خامساً – ماذا عن قوات سورية الديمقراطية؟

في العاشر من تشرين الثاني 2015م تم الاعلان عن تشكيل قوات سورية الديمقراطية في اعقاب اعلان الولايات المتحدة الامريكية عن نيتها لتقديم الدعم لمجموعة محددة بهدف محاربة تنظيم داعش. بغض النظر عن بنية ومهام هذه القوات ودون الدخول في التفاصيل من المؤكد بان العنصر الفاعل فيها وحدات حماية الشعب وهي من الميليشيات الكردية وتقودها عسكرياً، وهي تسيطر اليوم على قرابة 30% من مساحة سورية وتضع يدها على معظم الثروة النفطية والزراعية، من أهم الخصائص التي تتسم بها مايلي:

  • غالبية العنصر الكردي في تركيبتها.
  • وضوح دور ومهام هذه القوات في السعي لبناء فدرالية إثنية تكون مقدمة للانفصال عن الدولة الام.
  • سيطرة العناصر الراديكالية من حزب العمال الكردستاني التركي على جميع مراكز اتخاذ القرار فيها.
  • عدم وضوح وثبات مواقفها سواء من النظام أو المعارضة وتقلب مواقف قادتها اذاء القضايا المصيرية وفقا للتغيرات والمستجدات الانية.
  • استعداء المعارضة السورية التي تتلقى الدعم والمساندة من تركيا.

في جميع الاحوال تعتبر قضية شرق الفرات إحدى أهم القضايا المعقدة التي تحتاج الى جهود وطنية مخلصة وفي المقدمة ايجاد حل لمسالة السلاح وتبعيته ورفض كافة اشكال التسليح خارج إطار الجيش الوطني السوري الذي سيكون عامل أمان واطمئان لجميع أبناء الشعب السوري بهويته الوطنية الجديدة التي ستتجاوز الاديان والاعراق والاثنيات والايديولوجيات، وسيكون له دور الضامن لحماية الوطن والمواطن وصيانة القانون والدستور والحفاظ على السيادة الوطنية بعيدا عن التدخل في الشان السياسي للبلد.

سادساً – خاتمة:

بعد هذا السرد الموجز لبنية وخصائص القوى العسكرية الموجودة على الارض والاخذ بعين الاعتبار وجود عشرات الميليشيات المحلية المرتبطة مع السلطة الحاكمة وعدد كبير من الميليشيات الارهابية العابرة للحدود ، إضافة الى الانقسامات الحادة التي تعصف ببنية جيش النظام وجيش المعارضة الوطني والخلافات الدائمة بين الفصائل الكردية، والتدخل الخارجي متعدد الاطراف من قبل قوى اقليمية ودولية في الشأن العسكري لجميع الاطراف يستوجب على نحو لالبس فيه تشكيل مجلس عسكري سوري بكوادر عسكرية سورية وطنية من أجل الشروع بقيادة عملية إعادة بناء الجيش الوطني السوري باعتباره الضامن الوحيد للاستقرار والامن والسلم الاهلي وقياددة عملية اعادة تاهيل ودمج كافة العناصر المسلحة وجدولة خروج كافة القوى والميليشيات الاجنبية من البلاد، وتهيئة المناخ الامن والملائم في عموم البلاد من أجل بدء القيادة السياسية  بتنفيذ المهام والواجبات المنوطة بها في اطار عملية الانتقال السياسي سواء في المرحلة الانتقالية اومرحلة الاستقرار الوطني.