المعارض السوري يونس كنهوش: لا أمل من مفاوضات جنيف.. والمؤتمرات قسّمت وحدة المعارضة إلى حدّ القطيعة والتخوين

انطلقت مفاوضات اللجنة الدستورية التي ترقب السوريون نتائج أعمالها، قبل أيام، في ظل وضع مأساوي يعيشه البلد منذ تسع سنوات من القتال المسلح. المعارض السوري وعضو اللجنة التحضيرية للمؤتمر الوطني السوري يونس كنهوش، يتحدث في حوار مع المرصد السوري لحقوق الإنسان عن الحرب والتدخلات الخارجية التي أنهكت البلد.

س- هل انتهت الحرب السورية؟

ج- أعلن لافروف أن الحرب في سورية قد انتهت، لكنني أرى أن هذا التصريح سابق لأوانه، وقد تكون رغبة روسية ليعلن للعالم أن من الممكن البدء في عملية الإعمار، ولكن للأسف هناك كثير من المناطق التي لا تزال ساخنة نسبيّاً، عدا عن التدخل التركي، بالإضافة إلى مشكلة المهجرين والوضع المخيف في إدلب بسبب سيطرة جبهة تحرير الشام، فهي في اعتباراتنا منطقة محتلة أيضاً. الوضع يتعقد مع إفلاس النظام وقانون قيصر وتأثيره على المواطنين بشكلٍ رئيسي، لذلك من الصعب جداً على روسيا وإيران أن يقوما بعملية الإعمار لأسباب كثيرة، فكل ذلك يحتاج إلى ضوء أخضر أمريكي وهو غير متوفر الآن. وأخيراً، لا بد من عملية انتقال سياسي ضمن حكومة مؤقتة ذات صلاحيات خاصة لتستلم إدارة الدولة. حينها يمكن أن يُقال إن الحرب قد انتهت فعلا.

س- جولة جنيف الثالثة من مباحثات اللجنة الدستورية، هل من شأنها أن تضع حلا لإنهاء الحرب السورية؟

ج- أزعم أن غالبية السوريين يعتقدون أن تشكيل هذه اللجنة هو مضيعة للوقت بسبب غياب إمكانية الحل. منذ البداية حاول النظام عرقلة أي حل سياسي ضمن الوضع العام إلى جانب فوضى السلاح وتنظيم “الدولة الإسلامية” والقاعدة. ويعلم النظام أن أي حل سياسي ليس لصالحه، وبغض النظر عن كيفية تشكيل هذه اللجنة، فإن كتابة الدستور يجب أن تكون من قبل السوريين وليس بقرار من الآخرين. تجتمع اللجنة ولكن أرى أن الظروف لم تتغير للوصول إلى نوع من التقدم، لذلك لن تخرج هذه اللجنة بأي نتائج مهمة حول الاتفاق على كتابة الدستور لأن ما هو على الأرض لا يبشر بذلك. من الممكن بعد الإنتخابات الأمريكية أن نأمل في أن يحدث ما هو إيجابي، حيث لا يزال القرار للأسف بيد الأمريكي -غير المهتم- والروسي المتورط في قتل وتهجير السوري مع الايراني والتركي وغيرهم، ولا أمل يُرجى من هذه اللجنة الآن وليس قريبا.

س- وهل يمكن أن تفتح تلك اللجنة الباب أمام عملية سياسية أوسع تساعد في بناء الثقة بين مختلف المكونات السياسية نظامًا ومعارضة؟

ج- إن عملية بناء الثقة بين مختلف المكونات السياسية نظاما ومعارضة هو شيء مهم جداً لأي عمل مستقبلي ومن الصعب التوصل إلى أي حل بدون التفاهم بين السوريين أنفسهم، ولكن الأهم أن الأمر تطلب أكثر من سنتين لتشكيل هذه اللجنة. المشكل ليس في كتابة الدستور، والواضح أن المشكلة السورية لا تزال ضائعة بين جدران الأمم المتحدة منذ أول مؤتمر إلى هذه اللحظة.

س- أي دور للمعارضة في الداخل والخارج اليوم في سورية لإيجاد حل سياسي؟

ج- لا شك أن المعارضة فشلت في إيجاد جسم يمثل الثورة السورية السلمية ابتداءً من مؤتمر القاهرة الأول، وبالمناسبة كان الأهم بين كل المؤتمرات التي عُقدت فيما بعد، حيث كانت هذه المؤتمرات تساهم في شق وحدة المعارضة إلى حدّ القطيعة والتخوين لكثير من الناشطين الثوريين، بسبب الاصطفافات مع مصالح الدول الخارجية والإقليمية، فمنذ تشكيل المجلس الوطني ومن ثمَّ الائتلاف إلى لجنة التفاوض، فشلت المعارضة في تشكيل كتلة سياسية تخدم أهداف الثورة، وتمّ فقط تسليحها والمطالبة بالتدخل من الدول الخارجية والارتهان والتبعية للخارج.

س- يرى خبراء أن تركيا تعتبر أحد أبرز المستفيدين مما يجري شرق سورية وفي إدلب.. ما هي قراءتك؟

ج- دخول الجيش التركي إلى سورية يعتبر احتلالاً نظرا لعدم توفّر الموافقة من الدولة السورية، ولكن البعض يطرح تبريرات على غرار أن تركيا تهدف إلى تأمين حدودها المشتركة مع سورية من أنشطة حزب العمال الكردستاني. شخصياً لا أثق بمثل هذه الحجج، خاصة عندما يطرح الرئيس التركي أن أمن تركيا من أمن شمال سوريا. لديه مشكلة مع الترك الأكراد فليحلّها في داخل تركيا.. بالمقابل هناك ما يردده أردوغان وبعض القادة الأتراك من أن تركيا تسعى إلى تأييد حق الشعب السوري في اختيار نظامه ودعم مطالبه وهو قول مردود عليه، فأغلب الفصائل والتنظيمات العسكرية في سورية هي خليط من الجماعات الدينية المتطرفة والحركات الإرهابية والمقاتلين المرتزقة الذين قدمت لهم تركيا كل الدعم اللوجستي لدخول سورية. ولم تقتصر السيطرة التركية على حكم هذه المناطق بل شملت عملية “تتريك” تضمنت تغيير الكتب المدرسية وتدريس بعض المواد باللغة التركية، وإنشاء مدارس تقوم بتدريس اللغة التركية فقط، وغير ذلك. إلى جانب ذلك، تبتز تركيا الدول الأوروبية بفتح حدود الهجرة وتسهيل عمليات التهريب من أجل مصالحها، فضلا عن استغلال العمالة السورية الرخيصة. هناك الكثير مما تستفيده تركيا من التدخل في الشمال السوري على حساب الأكراد والسوريين بشكلٍ عام.

س- ألا تعيق التدخلات الخارجية مسعى إنهاء الأزمة في إطار الحفاظ على وحدة سورية وشعبها؟

ج- نعم تشعبت التدخلات في الشأن السوري لأسباب متنوعة، ولكلٍ مصالحه الخاصة، لقد انتقلت عدوى الربيع العربي الذي بدأ من تونس وانتهت في سورية عندما قام السوريين يطالبون بحريتهم، لكن النظام قابل المتظاهرين بالرصاص. ووجد التركي ضالته المفقودة بحجة أمن تركيا من شمال سورية، ووجد لتدخله سبباً مهماً وهو محاربة الأكراد. والروسي تدخل بعد أن قارب النظام على الانهيار وشارفت الدولة على السقوط في أيدي المتطرفين بدعم من “الإخوان المسلمين”. المشكلة الأساسية إذن هي إطالة عمر الحرب، في حين أن الخاسر الوحيد كان ولا يزال هو المواطن السوري. هذا العدد من المحتلين قد يكون له سلبياته القاتلة، وكما نلاحظ الآن أن سوريا قد تكون بلد أشباح بسبب الجوع والفقر وتردي الوضع الاقتصادي.
لا حلّ يلوح في الأفق بعد قتال دام أكثر من تسع سنوات.

س- أي نظام سياسي تراه الأنسب لسورية مستقبلا؟

ج- لكي لا تتردد المأساة، ومن أجل كل المواطنين لا بد من نظام يحمي حقوق الجميع تحت سقف الوطن، الدولة الديمقراطية من خلال دستور يحفظ حقوق جميع المواطنين، نظام سياسي برلماني رئاسي يعتمد على فصل السلطات.

س- البعض يرى معركة صامتة بين الروس والأمريكيين لتبقي الأزمة السورية مستمرة.. هل تتفق؟

ج- لا أتفق، لأن شبح الحرب الباردة يعود ولو برداء ذي لون آخر، لا شك في أن الروسي بحاجة إلى إعادة القليل مما خسره.. هناك خلافات واضحة بين الروس والأمريكيين، وللأسف كانت ولا تزال سورية ساحة لتصفية الحسابات ولتحقيق المصالح. قد يجوز القول إن المعركة صامته ظاهرياً ولكن الواقع مختلف تماماً، فمن الصعب المواجهة العسكرية بين قوتين تملكان أسلحة نووية تستطيع تدمير العالم عشرات المرات.

س- هل ترى بوادر انفراج للأزمة في سورية برغم كل الصراعات؟

ج- الأمريكي ينتظر من النظام تغيير أسلوبه، وجاء فرضَ عقوبات قيصر للتسريع في عملية الانتقال السياسي وللضغط على إيران للخروج من المنطقة، وهذا لن يحدث في القريب العاجل. الروسي من جانبه لا يملك قرار الحل بدون الأمريكي والتركي والإيراني، وهو غير قادر على أن يضغط على السلطة السورية لكي تعجل في كتابة الدستور وإنهاء عمل اللجنة الدستورية، وهذا قد يأخذ سنوات. الفرصة الأقرب لحدوث تغيير هي بعد الانتخابات الأمريكية، ولكن السؤال أيضا هو من سيفوز في هذه الانتخابات؟

س- أخيرا.. خط “الغاز العربي” كان هدفا للتفجيرات ويرى وزير الإعلام أن الهدف هو الضغط على الدولة السورية.. كيف تعلق؟

ج- لا شك في أن تفجيرات خط الغاز ألحق ضررا بالسوريين وضرب الاقتصاد السوري، أما ما تفضل به السيد وزير الإعلام السوري فهو كالمثل القائل “عرج الجمل من أذنه”، فكل هذه المصائب ورثناها عن هذا النظام، عدا الفساد المستشري في جسد الأمة لأكثر من ستة عقود.

س- أحداث شرق سورية الأخيرة دفعت البعض للقول بوجود أجندات متضادة لإشعال المنطقة، ما تعليقك؟

ج – أحداث شرق سورية ومن قبلها التدخل التركي، خلقا منطقة صراع أنتجته المصالح والظروف السياسية المعقدة في تلك المنطقة. قسم من الأكراد الانفصاليين السوريين وغيرهم شعروا أنه من الممكن العمل على تحريك المشكلة الكردية حول مطلبهم بالانفصال أو تشكيل كيان سياسي على أساس حكم ذاتي أو فيدرالية، وكان ذلك بمساعدة الوجود الأمريكي هناك حيث تحالفوا مع الأمريكان لمحاربة المتطرفين وقدم لهم الأمريكان الدعم والسلاح، ولا شك أنهم ضحوا واستشهد الكثير منهم ومن السوريين ايضاً. وهذا التوجه (أي الانفصال) في حقيقته، ليس له مكان على أرض الواقع، ولكن بسبب إطالة عمر الحرب هناك ظهرت “قسد” لتدّعي أنها تشكل نموذجاً لسورية فيدرالية ككل بدلاً من الاستقلال التام. ومن الصعب تنفيذ مثل هذا المشروع إلا إذا كان هناك رغبة أو حاجة أمريكية ولكن هذا مستبعد جداً، المطلوب من كل المكونات السورية العمل معاً من اجل وحده سورية أرضا وشعباً ضمن نظام ديمقراطي على أساس دولة المواطنة. الفيدرالية لا تصلح لسورية بسبب صغر مساحتها من جهة والتورزّع السكاني (الديموغرافي) من جهة أخرى. قد يتفق السوريين على نظام سياسي لا مركزي مع الحفاظ على وحدة سورية، والتفكير بالانفصال سيجلب المشاكل للجميع وأولهم الأكراد، وبتصوري لن يقدم الأمريكان على ذلك.

عن المرصد السوري في 3 سبتمبر,2020