د حسان فرج

منتدى حوارات المؤتمر الوطني السوري لاستعادة السيادة والقرار  أول أيار/مايو  2021

تحية طيبة استاذ يونس ود.هيثم وللأخوة الحضور

حابب اسرد مرحلة من حياتنا كسوريين توضح مفهوم المواطنة والانتماء ..كنت طالبا في مدرسة اللاييك (العلمانية)  سابقا والتي أصبحت فيما  بعد معهد الحرية ومن ثم معهد باسل الأسد بعد وفاة المرحوم.

كان  أبناء  حافظ الأسد  وأولاد المسؤولين معنا ..فباسل أكبر مني بسنه ومناف طلاس كان من جيلي بالشعبة الثانية وكان هناك أولاد رفعت الأسد وأولاد بقية المسؤولين كخدام وغيرهم ..أحدى المظاهر التي كانت واضحة للعيان وجود حراسة مع أولاد المسؤولين وبالذات رفعت وحافظ ..لكن حراس الأسد كانوا اقل ظهورا ..المهم بالقصة أنني شهدت ذات مرة مشاجرة بين أحد أبناء رفعت واحد الطلاب حيث قبض احد الحراس عليه وتم ضربة من قبل ابن رفعت ..داخل المدرسة ولم يتدخل أحد من إدارة المدرسة لمنع هذا الفعل الشنيع …
ظاهرة أخرى كان معظم الأساتذة عندما يدخلون للصف أول ما يتجهوا الى مقاعد أولاد المسؤولين ويفتحوا الأحاديث والسلامات والتملق للوالد وكان مفروض علينا الصمت والهدوء حتى تنتهي تلك المحادثة المهمة.. مع الزمن كبرنا واصبحنا في الصف العاشر وكان ملاحظ جليا أن أولاد المسؤولين هم رؤساء الشبيبة والعرفاء وحتى كان هناك مكتب للمرحوم باسل الأسد على أساس رئيس شبيبة الثورة الخ. .. من هنا بدأت ظواهر التفرقة والتمييز التي كانت تحز بنفس العديد من الطلاب والشعور بعدم المساواة …

 المهم هاجرت عائلتي الى فرنسا بعد إنهائي لامتحانات الصف العاشر….

 بفرنسا دخلت بالصف الحادي عشر وبدأت دراستي بعالم جديد لا علاقة له بماعشته في سورية .. حقيقة بدأت دراستي بمواد الأدب الفرنسي وقرأنا حينها  لمونيسكيو وفولتير وجان جاك روسو العقد الاجتماعي ولألبيرت كاميو اللامنتمي ..الخ
عندها تجلت بشكل أو بأخر فكرة المواطنة المتساوية والعادلة ولاحظت كيف يتعامل الطالب الفرنسي مع الأستاذ على أساس متساوي لا يوجد رهبة للمعلم ولاعنف في التعليم والطالب يتحدث بكل حرية من دون قمع أو ترهيب .. لكن قضية الانتماء بقيت كما هيا وأقصد هنا الانتماء العاطفي للبلد وللأصدقاء …

اليوم اذا اردنا أن نعرف مفهوم المواطنة من خلال التاريخ الإنساني الطويل .المواطنة مفهوم دستوري قانوني بحت يتعلق بالعدالة والمساواة والإنصاف بين أفراد الدولة عبر تعريف واضح للحقوق والواجبات والحريات للذين يحملون جنسية هذه الدولة.
أما الانتماء فهو حالة نفسية عاطفية واجتماعية ترتبط بعدة متطلبات وحاجات تدفع الإنسان نحو التجمعات الاقرب لتتوضح هويته ابتدأ من الأسرة فالعشيرة فالمدينة أو الطائفة والقومية أو الحزب  فالدولة أو الوطن ومن ثم الأمه الخ ..مع ما تؤمنه من حاجات فيزيولوجية واقتصادية وسياسية واجتماعية ونفسية من افتخار واعتزاز بالذات وبالانتماء لتلك أو تلك الجماعة…وهذا يذكرنا بهرم ماسلو عن الحاجات والرغبات ..لكن عندما ينخفض مستوى هذه المتطلبات يبدأ الابتعاد والتنافر عن الهوية الجامعة والالتفات نحو الهويات الفرعية أو الهجرة بحثا عن إمكان اكثر تلبية لهذه المتطلبات ..

لنعود لفكرة المواطنة والانتماء  في سوريا ما الذي حدث عبر تاريخنا المعاصر المواطنة السورية مرت بمراحل مريرة ومعقدة منذ الاستعمار العثماني ومن بعده الانتداب الفرنسي لندخل بعهد الاستقلال وعهد الديمقراطيات الفتية التي شهدت عدة انقلابات انتهت بالوحدة مع مصر عبد الناصر الذي تحول فيه “مفهوم المواطنة لاتحاد قومي” ومن ثم الانفصال فانقلاب 8 آذار 63 ومن ثم انقلاب ال66 وأخيرا انقلاب ال1970 الذي جاء بحافظ الأسد ..ما حدث أن مفهوم المواطنة تداخل مع مفهوم الانتماء عبر مفهوم “الوطنية” ذلك المفهوم الفضفاض الذي يمكن لاي سلطة أن تلبسه الثوب الذي تريده   ..فتارة أخذت المواطنة المتساوية دورها عبر الدساتير الديمقراطية وتارة انخفض معيار المساواة العدالة الاجتماعية لحساب الانتماء القومي أو الحزبي وجعل المواطنة على درجات فمن ينتمي للحزب يتمتع بالامتيازات وبالوظائف بشكل عام والرفيعة بشكل خاص  ..ومعيار الوطنية استعمل للتقليل من الحريات الشخصية باسم المصلحة العامة ..كما حدث من خلال قانون الطوارئ لعام 1963…حيث تم كيل التهم بإضعاف الشعور القومي أو وهن الأمة الى درجة التخوين لكن من يعارض إرادة السلطة … ولذلك كان يتم سحب الحقوق من المواطنين الى درجة تجريدهم من صفتهم الإنسانية ليصبحوا بنظر الجلاد مجرد حيوانات يحق القضاء عليهم دون رحمة أو شفقه وهذا ما حدث من خلال القانون رقم49 الذي أجاز إعدام كل من ينتمي لجماعة الإخوان المسلمين. بعد أحداث حماه بعام ال1982…

بدستور ال 73 كانت هناك المادة 8 التي حددت  حزب البعث على أنه هو الحزب القائد للدولة ..هذا لوحده أقصى أعداد كبيرة من المواطنين من حق المواطنة الكامل داخل الدولة والمواطنة أصبحت  درجات فمن في الحزب أولا ومن بعده من ينتمي للأحزاب التقدمية ومن بعده بقية الشعب ومن بعده الأخوة السوريين الأكراد وبالذات من كانوا الذين مجردين من الجنسية السورية …فهؤلاء  لا يتمتعون بحق  التعليم ولا حق الصحة أو أي حق من حقوق المواطن العادي …

مالم يكن بالحسبان في عام 2011 أن يعود للواجهة  مفهوم المواطنة العادلة المتساوية المنصفة فمع سقوط الاتحاد السوفيتي وظهور العولمة الليبرالية كنظام عالمي جديد وما رافقها من الثورة الرقمية والمعلوماتية على نطاق عالمي  واسع جعل المواطن السوري على تماس ومعرفه بالتطور الإنساني الحضاري الديمقراطي الغربي بالذات لما يتمتع به المواطن الغربي من حقوق وحريات ووجبات وان يتطلع لهذا المثال الذي يفتقده في وطنه …فالمواطن السوري المجرد من حقوقه شعر بغربته في الوطن وتهميشه على مدى عهود  “Alination”  بالمفهوم الغربي…

فمع اشتعال أحداث 2011 وتحول الصراع لصراع مسلح دفع المواطن للهجرة الى دول المواطنة العادلة  في الغرب كألمانيا والدول الإسكندنافية حصرا وليس الى دول الشرق كروسيا وايران  وأن تمت الهجرة الى بعض الدول العربية فذلك لقربها من الحدود السورية أو كمحطه أولى قبل الانطلاق الى الغرب…فلم تكن  بالضرورة هجرتهم  بسبب ويلات الحرب وإنما هربا من الظلم ومن أزمة المواطنة العادلة المتساوية على جميع المستويات، وليس بالضرورة لضعف انتماءاتهم لسورية الوطن وإنما وبحثا عن موطن أكثر أمنا لهم ولعائلاتهم وأكثر انفتاحا مع فرص اقتصادية حقيقية وضمان لحرياتهم الشخصية ولمستقبل أولادهم  …

هناك سؤال سيراودنا  وماذا عن داعش والنصرة والحركات المسلحة المتطرفة ومن جاؤوا بالذات من الغرب الديمقراطي صاحب المواطنة العادلة والمتساوية؟
معظم هذه الحركات تمت بأيادي مخابراتية دولية وإقليمية لتكون الساطور الذي يحقق لهم مآربهم في المنطقة ..وأفرادها مواطنين مهمشين أصلا داخل مجتمعاتهم تم استقطابهم من قبل  منظمات إرهابية كالقاعدة وغيرها ..فكانوا لقمة سائغه لضعف الانتماء الوطني عندهم  من جهة والشعور بالظلم نتيجة حرمانهم الكثير من حقوق المواطنة من جهة أخرى . فعلى سبيل المثال معظم من ذهبوا من فرنسا للالتحاق بداعش كانوا أصحاب سوابق ومن أصول عربية مغربية وأفريقية وبعضها فرنسية الأصل مهمشة في مناطق سكنية حول المدن تكثر فيها البطالة  وتنتشر فيها تجارة المخدرات والجريمة وقل ما تتدخل الشرطة فيها…. تلك الظروف القاسية تجعل من الشباب فيها تائها وثائرا يسهل استقطابهم بسهولة الى الحركات المتطرفة التي تعيد له بعض الانتماء للجماعة وتؤمن ما فقدوه في مجتمعاتهم  الأصلية من تكفير للذنوب والارتقاء معنويا ليصبح أمير حرب صاحب سلطه يقبض بالدولار ويحق له ما شاء من السبايا مع إشباع لغريزة الانتقام من الكفار الذين هم سبب تهمشه ومع كل هذا سيكافأ في الجنة ..فماذا يريد هذا اللامنتمي أكثر من ذلك.

أضف الى أن هذا الانخفاض بمفهوم المواطنة العادلة
دفع العديد من أبناء الشعب للالتفاف حول هوياتهم الفرعية من طائفية وقومية بحثا عما فقدوه على مستوى الوطن من حقوق وحريات ومساواة ..فلقد شهدنا  تحولا واضحا من الانتماء للهوية الوطنية الجامعة وبداية لتصدعها مع اطلاق الرصاصة الأولى على المتظاهرين السلميين وانطلاق الحرب الأهلية من بعدها.

سيقول البعض لقد تم تعديل دستور 1973 وأخذت المواطنة حقها في  دستور 2012 الذي عرف المواطنة في المادة الثالثة والثلاثون :
1ـ الحرية حق مقدس وتكفل الدولة للمواطنين حريتهم الشخصية وتحافظ على كرامتهم وأمنهم.
2ـ المواطنة مبدأ أساسي ينطوي على حقوق وواجبات يتمتع بها كل مواطن ويمارسها وفق القانون.
3ـ المواطنون متساوون في الحقوق والواجبات، لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة.
4ـ تكفل الدولة مبدأ تكافؤ الفرص بين المواطنين.

هذا كلام موجود حقيقة لكنه يصطدم بالواقع الذي لم يتغير وهو أن الحريات لازالت مقيده والأدوات التعسفية لازالت قائمه من تدخل الأمن دون امر قضائي وتحويل قانون الطوارئ لقانون الإرهاب، مع انعدام وجود هيئات رقابة مختصة على تطبيق القوانيين أضف الى أن دستور ال2012 لازال يحتوي على ثغرات كبيرة فيما يتعلق ببناء دولة القانون ودولة المواطنة العادلة المتساوية كفصل واستقلالية السلطات القضائية والتشريعية عن السلطة التنفيذية أضف الى بقاء التمييز في موضوع دين رئيس الدولة والفقه الإسلامي كمصدر أساسي للتشريع  وكذلك موضوع الكرامة الإنسانية الذي هو بحاجة لباب كامل للتعريف في الدستور القادم يمنع المساس بحياة وسلامة أي مواطن ومنع التفريط بها بأي شكل من الأشكال مع تحريم وتجريم القتل والتعذيب. فلكل جريمة عقاب لكن دون المساس بالسلامة الجسدية أو العقلية للمواطن.. واذا امكن إيقاف الحكم بالإعدام لاحقا فليكن..

اليوم بعدما تشبع الملايين من السوريين في بلاد الغرب من مفهوم المواطنة كحقوق وواجبات وحريات لن يعود للبلد اذا لم تتأمن له نفس ظروف العيش الاقتصادية والنفسية في أوروبا  فقضية عودة اللاجئين غير واردة من دون تغيير فعلي وعميق  لمنظومة الاستبداد التي تمس بجميع القيم الإنسانية والتي كانت السبب بغربة هؤلاء المواطنين داخل الوطن أولا وخارجه ثانيا…تلك القيم  التي سيبنى عليها مستقبل الإنسانية القادم ..فلقد بدأت تظهر اليوم جوازات سفر يتم امتلاكها مقابل مبالغ معينه تعطي لصاحبها التنقل بحرية على مستوى العالم كبداية للمواطنة العالمية وربما سيتطور الأمر بإدخال جواز سفر صحي عالمي بعد جائحة الكورونا … ولن نستغرب يوما إصدار جوازات سفر عالمية من قبل الأمم المتحدة  لأشخاص يتمتعون بصفات معينه تؤهلهم للتنقل والعمل بكل بقاع الأرض شبيه بجواز السفر الدبلوماسي مع ازدياد الكوارث الطبيعية والبيئية والصحية والاقتصادية والسياسية العابرة للحدود ..